الشيخ محمد رشيد رضا

27

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

علمه به مفصلا بعد أن كان مجملا ، ومبرهنا عليه بعد أن كان مسلما ، فهي مدرجة الكمال لأهل اليقين ، ومزلة الريب للمقلدين ، قال بعض الصوفية : جزى اللّه أعداءنا عنا خيرا إذ لولاهم ما وصلنا إلى شيء من مقامات القرب : وقال الشاعر : عداتي لهم فضل علي ومنة * فلا اذهب الرحمن عني الأعاديا هم بحثوا عن زلتي فاجتنبتها * وهم نافسوني فاكتسبت المعاليا ذلك بأن العدو ينقب عن الزلات ، ويبحث في الهفوات ، وطالب الحق يتوجه دائما إلى الاستفادة من كل شيء ، والنظر من كل أمر إلى موضع العبرة ، وطريق الحقيقة ، فإذا وجد في كلام العدو مغمزا صحيحا توقاه ، أو عثرا في طريقه نحاه ، وان ظهر له انه باطل ثبت على حقه ، وعرف منافذ الطعن فيه فسدّها ، فكان بذلك من الكملة الراسخين - لهذا كله كانت الفتنة التي أثارها السفهاء على المؤمنين في مسألة القبلة معدة للاهتداء ووسيلة إلى الثبات على الحق بعد نزول هذه الآيات البينات والحجج الناهضات في بيانه وحكمة اللّه تعالى فيه * * * ثم قال تعالى كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ أي يتم نعمته عليكم باستيلائكم على بيته الذي جعله قبلة لكم ، وتطهيركم إياه من عبادة الأصنام والأوثان ، وهو البيت الذي في قلب بلادكم ، وموضع شرفكم وفخركم ، كما أتمها عليكم بارساله رسولا منكم ، فالقبلة في بلادكم ، والرسول من أمتكم . والخطاب للعرب كما هو ظاهر . ثم وصف هذا الرسول بالأوصاف التي كان بها نعمة تامة ، ورحمة شاملة ، فقال يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِنا الدالة على أن ما جاء به من التوحيد والهداية هو الحق من عند اللّه وهذه الآيات أعم من أن تكون آيات القرآن أو غيرها من الدلائل والبراهين على أصول الدين ، وقد تقدم في تفسير الآيات في دعوة إبراهيم بأن الآيات يصح أن يراد بها الآيات الكونية والعقلية وأن يراد بها آيات الوحي ، والتعميم أولى ، وإنما خصها بعض المفسرين بآيات القرآن بقرينة ( يتلوا ) على أن التلاوة أعم ، فكل برهان يقيمه فقد تلا عليهم عبارته ، وذكر لهم فيه آيات اللّه في الآفاق وفي أنفسهم ، ووجه للنة انه يقودهم إلى الحق بالدليل والبرهان ، دون التقليد والتسليم بغير فهم ولا إذعان ،